ابن حزم
29
رسائل ابن حزم الأندلسي
فيما اعتقد - مصدر تلك الفكرة . فالمتحدث الرابع في المأدبة ، وهو الكاتب الكوميدي أرسطوفان ، يرى أن الخلق كانوا ثلاثة أصناف ، ذكوراً ، وإناثاً وخليطاً من هذين ، وكان كل مخلوق بشري كلاً كاملاً ، ظهره وجانباه مدوران على شكل كرة ، وكان له أربع أيد وأربع أرجل ووجهان متماثلان قائمان على رقبة مستديرة ، وكان هذا المخلوق يمشي في شكل دائري ، وكان قوياً مخوفاً ، فرأى الإله أن يضعف من قوته ، فشقه نصفين ، ومنذ ذلك الحين أخذ كل نصف يتوق إلى النصف الآخر الذي أنفصل عنه ، فإذا التقيا تعانقا كأنما يطلبان الاتحاد . فإذا كان النصفان المتلقيان ذكراً وأنثى نتج عن تلاقيهما التناسل ، فوجدا الاكتفاء في الاتصال ، وانصرف الذكر بعده إلى ممارسة شؤون الحياة الأخرى ، وإذا حدث التجاذب بين ذكر ومثله ، نشأت بينهما عاطفة قوية غلابة تخلق متعة في الصحبة ، ولكن لا أحد يستطيع أن يقول إنها قاصرة على الجسد بل إن روح كل منهما تتوق إلى الأخرى توقاً لا تستطيع أن تصفح عنه . وعلى هذا فليس الحب سوى محاولة للعودة إلى الحال التي كان الآدميون عليها . فهو رغبة في استعادة الوحدة القديمة ( 1 ) . إن هزل أرسطوفان في معرض الجد قد تحول وتحور حين انتقل إلى بيئة بغداد في القرن الثالث ؛ فموضوع الحب في المأدبة ، وهو حب بين الذكران ، ويكاد لا يتوقف عند حب الذكر للأنثى ، قد اختفى ، ولم يستطع إلا أن يومئ إليه إيماء من وراء ستار النظرية شخص مثل أبن داود شهر بحب حدث أصبهاني يقال له محمد بن جامع أو وهب بن جامع ( 2 ) ، وانقسام الأجساد في ذلك التصوير شبه الهزلي لدى أرسطوفان أصبح عند أبن داود انقساماً في روح كرية جعلت في جسدين ، فأخذ كل نصف يفتش عن نظيره ، وكان ذلك التحول والتحور ضرورياً لفقيه
--> ( 1 ) بإيجاز عن ( Symposium ) ص : 59 وما بعدها . ( 2 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 3 : 59 .